الشوكاني
52
فتح القدير
وعلما بأن ذلك كان بلاء له من الله عز وجل ليزيد في درجته عنده ( إذ أنتم جاهلون ) نفى عنهم العلم وأثبت لهم صفة الجهل ، لأنهم لم يعملوا بما يقتضيه العلم - وقيل إنه أثبت لهم صفة الجهل لقصد الاعتذار عنهم وتخفيف الأمر عليهم ، فكأنه قال : إنما أقدمتم على ذلك الفعل القبيح المنكر وقت عدم علمكم بما فيه من الإثم وقصور معارفكم عن عاقبته ، وما يترتب عليه ، أو أراد أنهم عند ذلك في أوان الصبا وزمان الصغر ، اعتذارا لهم ودفعا لما يدهمهم من الخجل والحيرة مع علمه وعلمهم بأنهم كانوا في ذلك الوقت كبارا ( قالوا أإنك لأنت يوسف ) قرأ ابن كثير " إنك " على الخبر بدون استفهام . وقرأ الباقون على الاستفهام التقريري ، وكان ذلك منهم على طريق التعجب والاستغراب : قيل سبب معرفتهم له بمجرد قوله لهم ( ما فعلتم بيوسف وأخيه ) أنهم لما قال لهم ذلك تنبهوا وفهموا أنه لا يخاطبهم بمثل هذا إلا هو ، وقيل إنه لما قال لهم بهذه المقالة وضع التاج عن رأسه فعرفوه ، وقيل إنه تبسم فعرفوا ثناياه ( قال أنا يوسف وهذا أخي ) أجابهم بالاعتراف بما سألوه عنه ، قال ابن الأنباري : أظهر الاسم فقال أنا يوسف ولم يقل أنا هو . تعظيما لما وقع به من ظلم إخوته . كأنه قال : أنا المظلوم المستحل منه المحرم المراد قتله . فاكتفى باظهار الاسم عن هذه المعاني . وقال : وهذا أخي مع كونهم يعرفونه ولا ينكرونه . لأن قصده وهذا أخي المظلوم كظلمي ( قد من الله علينا ) بالخلاص عما ابتلينا به ، وقيل من الله علينا بكل خير في الدنيا والآخرة . وقيل بالجمع بيننا بعد التفرق . ولا مانع من إرادة جميع ذلك ( إنه من يتق ويصبر ) قرأ الجمهور بالجزم على أن من شرطية . وقرأ ابن كثير بإثبات الياء في يتقي . كما في قول الشاعر : ألم يأتيك والأنباء تنمى * بما لاقت لبون بنى زياد وقيل إنه جعل من موصولة لا شرطية ، وهو بعيد . والمعنى : إنه من يفعل التقوى أو يفعل ما يقيه عن الذنوب ويصبر على المصائب ( فإن الله لا يضيع أجر المحسنين ) على العموم ، فيدخل فيه ما يفيده السياق دخولا أوليا ، وجاء بالظاهر ، وكان المقام مقام المضمر : أي أجرهم للدلالة على أن الموصوفين بالتقوى موصوفون بصفة الإحسان ( قالوا تالله لقد آثرك الله علينا ) أي لقد اختارك وفضلك علينا بما خصك به من صفات الكمال . وهذا اعتراف منهم بفضله وعظيم قدره ، ولا يلزم من ذلك أن لا يكونوا أنبياء . فإن درج الأنبياء متفاوتة ، قال الله تعالى - تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض - ( وإن كنا لخاطئين ) أي وإن الشأن ذلك . قال أبو عبيدة : خطئ وأخطأ بمعنى واحد . وقال الأزهري : المخطئ من أراد الصواب فصار إلى غيره . ومنه قولهم : المجتهد يخطئ ويصيب ، والخاطئ من تعمد ما لا ينبغي . قالوا هذه المقالة المتضمنة للاعتراف بالخطأ والذنب استجلابا لعفوه واستجذابا لصفحه ( قال لا تثريب عليكم ) التثريب التعيير والتوبيخ : أي لا تعيير ولا توبيخ . ولا لوم عليكم . قال الأصمعي ثربت عليه : قبحت عليه فعله . وقال الزجاج : المعنى لا إفساد لما بيني وبينكم من الحرمة وحق الأخوة . ولكم عندي الصلح والعفو ، وأصل التثريب الإفساد ، وهى لغة أهل الحجاز . وقال ابن الأنباري : معناه قد انقطع عنكم توبيخي عند اعترافكم بالذنب . قال ثعلب : ثرب فلان على فلان إذا عدد عليه ذنوبه ، وأصل التثريب من الثرب ، وهو الشحم الذي هو غاشية الكرش ، ومعناه إزالة التثريب ، كما أن التجليد والتقريع إزالة الجلد والقرع وانتصاب اليوم بالتثريب : أي لا أثرب عليكم أو منتصب بالعامل المقدر في عليكم وهو مستقر أو ثابت أو نحوهما أي لا تثريب مستقر أو ثابت عليكم . وقد جوز الأخفش الوقف على عليكم . فيكون اليوم متعلق بالفعل الذي بعده . وقد ذكر مثل هذا ابن الأنباري ، ثم دعا لهم بقوله ( يغفر الله لكم ) على تقدير الوقف على اليوم ،